رحلة في العدم

​الأبيض و الرمادي يلونان خط الأفق، تكسو الكثبان الجليدية قمم الجبال، و لولا هذا الحذاء صاحب العنق الطويل و المبطن بالفراء لتجمدت أصابعي، الثلج ينزل بغزارة فتغور قداماي في طبقاته، كنت في طريقي إلي أرض أخري، تعبت من عالمي، ‏أجده مجنون و قاسي، غير عادل و يتباهي بأذية الأبرياء، العالم قادر علي أن يُفقدك صوابك إن كنت علي صواب.
كنت لازلت بداخل حدود مدينتنا، لم أتخطاها بعد، أقابل أطايف أشخاص من بعيد، و ألمح عن قرب و عن بعد هياكل خشبية هالكة تسمي بيتوتنا.. و تغطي الأسقف بالقش، مررت بعازف إتشيلو.. يمكن أن نصف ما يعمله أي شيء غير العزف.. ربما مثلا ينفض ذرات الثلج من فوق الأوتار.. أو أي شيء غير ذلك.. لكن مقارنة لتلك الأجواء المقفرة كان العزف بديعاً، صوت شجي و عميق، يأثر القلوب، فيقشعر بدني، فأي شيء في هذا العدم رغم قبحه يُعد معجزة إلهية.

 

بعدها بقليل قابلت دار جدي الهالك، نعم.. كلاهما متهالك، كان يجلس في الجزء الأمامي للمنزل، يضع غليونه، و يغطي رأسه بقلنسوة مصنوعة من فراء السنسار، يرتدي معطف رسمي سميك.. به رقع عديدة، جلست بمحاذاته، و شرع في الحديث.
بعد عدة دقائق من إسهابه في الحديث، تركته و مضيت بلا وداع. ‏حديث جدي عن الحياة يثير التساؤل عندي: كيف يقدر أن يبقي مبتسم الثغر بعدما عاصر كل ذلك؟، طول حياتي لم أحصل علي إجابة، لكن الإجابة كانت أوضح من الشمس عندما سألني قبل نهاية الحديث عن أسمي، جدي مصاب بالزهايمر مند زمنٍ بعيد.
مشيت لوقتٍ طويل، فقابلت حبيبتي، تجلس وحيدة، تتجمع الثلوج عند كتفيها، أمسكت بيدها و مضيت، لم نتحدث طوال الطريق، لم تسألني إلي أي أنا ذاهب، أو لما أتجول في مثل هذا الوقت، لم تسألني لماذا هجرتها منذ أربعة أشهر، لم تسألني أي شيء، سرنا حتي بدأت كثافة الثلوج تقل، وجدنا مقاعد أسمنتية، نظرت هي نحوها، فتوجهنا تلقائياً صوب المقاعد، جلست، فخلعت معطفي و وضعته فوق كتفيها، قلت: أنت فتاة رائعة، و أنا لست برائع، عندما تشعرين أنك قبيحة.. عودي. تركتها و مضيت.

رأيت السياج من بعيد، سياج مدينتنا، هرولت إليه، كان يحيطني الضباب، الأجواء لا تزال باردة، جريت حتي أقتربت، أمسكت بالسياج و الأسلاك الشائكة، فجرحت يداي، فإذ يترأي من أمامي صف من الجنود، مشهرين أسلحتهم و ضغطوا علي الزناد.

Advertisements

العودة للستينات

في مشهد عبثي كامل، تتوهج لافتات الملاهي و الإعلانات .. أضواء حمراء و زرقاء، تنعكس صور السيارات علي صفحة الماء بجانب الطريق، يرتدي الناس الفراء أو السترات اللامعة، كلهم مبتهجين و غير متزنين، تشق وجوههم البسمات، في الأشياء الجميلة ثمة جانب قبيح.. فالسؤال الذي يحيرني: لو لم يكن لنا القدرة علي التباهي بالجمال.. هل كنا لنتحلى به؟، في هذه الأمسية الكئيبة علي صدري حتي الآن.. لم يحدث شيء.

كنت أقف بجوار مدخل المسرح، منتظر موعد فتح البوابات لحضور العرض، كان لا يزال نصف ساعة، و كان لا يزال بعلبة السجائر لفافتين، و كان لا يزال بحوزتي عشرون جنيهاً كافية لدفع ثمن التذكرة، أسندت ظهري و بطن قدمي إلي الحائط، لمحت عن بعد رجل يرتدي ملابس هزليّة، يلون وجهه باللون الأبيض و حول جفنتيه بقعتين حمراوات، من الواضح انه مهرج.. أو فشل أن يكون ذلك، ما الذي قد يدفعك للتشبث بسور المسرح و التمثيل غير أنك فشلت ان يكون لك دور علي الخشبة، يلتقط صور مع المارة، و يقوم ببعض الحيَّل الطريفة، و ربما يقص بعض النكات.. فيضحكون، و يتجاهله آخرون، و البقية مثلي يشاهدون. تخبرنا الحياة بعض النكات، فيضحك ناس و يبكي آخرون لأنها ليست مزحة، و بالضفّة المقابلة تمر وجوهٌ غير مكترثة.. تساوت بأعينهم كل المفارقات.

دلفت من باب المسرح، و توجهت إلي شباك التذاكر في مواجهة الباب، لم يكن الموظف هناك خلف الحاجز الزجاجي.. مرت بضع اللحظات و انا أقلّب بعيني المكان.. لم يحضر، جذب انتباهي لوحة اعلان عن اليسار.. زُين الإطار بأضواء متوهجة، كتب عليها: “العودة إلي الستينات فقط بعشرين جنيهاً”، و سهم يشير إلي الأسفل نحو صندوق، و سهم يشير إلي باب أحمر بمقبض فضي، الفكرة ساخرة إلي حد كبير لكنها مشوقة، لما لا أجرب؟، وضعت النقود و فتحت الباب.

كانت ردهة حوائطها مغطاه بستائر بنفسجية اللون و عند أطرافها السفلية نقش زخرفي باللون المذهّب، الإضاءة زاهية.. مصابيح دائرية تتدلي من السقف، و تفترش الأرض ببساط مثل لون الستائر. الجو غريب و هادئ.. يبعث الريبة، شعرت بالحماقة مما فعلته .. قررت التراجع و ترك الردهة، مددت يدي لأفتح الباب، لكن لم يكن هناك مقبض من الداخل!

أثار بي ذلك قليل من الرهبة، و تبلل جبيني بعض قطرات العرق، أحاول الحافظ علي هدوءي، تقدمت ببعض الخطوات الحذرة.. لم يحدث شيء، فاكتسبت بعض الثقة، أكملت المضي حتي نهاية الردهة، و كانت النهاية أيضاً مغطاه بالستائر، لا يوجد ممر إلي اليمين أو اليسار، فقط ستائر صماء، خفت، يدي ترتجف، أعراض فوبيا الأماكن المغلقة حتي بدأت أشعر باختناق، فكرت في ازاحة الستائر، رفعت طرفها السفلي بسرعة، كان تحتها فراغاً أسود.. لم أستطع تميّز شيء من العتمة الثقيلة، نزلت تحت الستائر و مشيت بهدوء، تقدمت برويّة و حذر، غمرني الظلام الكاحل، عندها شعرت بالرعب و صعوبة في التنفس، كدت أسمع صوت نبضاتي، فجريت بلا هُدي حتي اصطدمت رأسي بحائط.. و سقطت مغشياً.

استيقظت علي صوت فتاة تلمس وجنتي بنعومة و قالت بمرح:

  • أمستعد أنت للحفل.. أيها الوسيم؟

الرؤية غير واضحة، أري أشباح آدمية ملونّة تتحرك حولي، رددت:

  • ماذا؟ .. حفلة؟

فركت عيني، و أغمضتها لبرهة حتي خف الألم، فتحتها و وجدت أربع فتيات أشتركن في الجمال و القوام الفرنسي، أشتركن في لون و تصفيفة الشعر و الزي، واحدة منهم تعلق شريط القياس علي كتفها، و فجأة جذبت يدي واحدة منهم من فوق الأريكة برقة شديدة و أمثلتني أمام المرآه، أتت الفتاة صاحبة شريط القياس و في بضع دقائق أخذت الأطوال، أجلسوني علي كرسي لتصفيف الشعر، و بعدها ارتديت الزي الجديد، و بغضون ثوانٍ كانت هيئتي كرجال الستينات تماماً، لم أستطع التعبير عن دهشتي، كنت أرتدي سترة لبنية صممت لأجلي خصيصاُ، لم أرتدي شيء مناسب كهذا طوال حياتي، رابطة عنق لامعة، و بحركة بهلوانية وضعت الفتاة قلنسوة كحلية اللون بها شريط حريري فوق رأسي، كل شيء براق و استعراضي، كالأفلام الغنائية، تطلعت لنفسي بالمرآة و تلقائياً رفعت حواجبي و صحت :

  • رائع… لا أصدق..

اقتربت الفتاة التي أيقظتني و طبعت قبلة علي خدي، و طوقت ذراعي و سرنا نحو باب بالغرفة لم الاحظه من قبل و قالت بمرح مبالغ:

  • إلي الحفل..

فَتحت لي الباب، فأرسلت لهم قبلة في الهواء و ذهبت.

المكان هو قاعة واسعة بها طاولات و مشرب و مسرح بستائر حمراء، حضورٌ غفير، رجال أنيقين للغاية بشوارب رفيعة و شعر مهذب لامع.. كما هي سمة الرجال في هذا العصر، نساء يرتدين فستاتين قصيرة و براقة، كل شيء هنا بديع و أخّاذ. عرض النادل شراب الشنبانيا مع انحناءة بسيطة كنوع من الترحيب، فتناولته دون تردد.

الأضواء و رائحة الياسمين، الزخارف عاجية، الأعمدة من الرخام الأبيض بعروقٍ رمادية.. الرسومات الزيتية علي السقف، شكل المصابيح، أشاهد كل هذا في اعجاب مبالغ لدرجة الإسهاب، الأجواء معدة تماماُ كالستينات، حتي الموسيقي.. كانت تعزف موسيقي الجاز.. أعتقد أن موسيقي الجاز تستطيع أن تكون لغة حوار بين الناس.. ياللروعة.

حتي الآن لم أهّم بالحديث إلي أحد، فقط لفتت نظري سيدة واحدة.. تلاقت عيوننا عدة مرات عن بعد و عن كثب أثناء تجولي بالقاعة و كان ذلك لا يعني شيء، لكن يجب أن أعترف أنها من أجمل النساء الاتي قابلتهم، شعرها بني طويل يميل إلي الحُمرة، مجعد قليلاً لكن يظهر أن ملمسه ناعم، أسدلته علي جانب عنقها، أنا مغرم بالشعر الطويل، قوامها مثالي كحورية، الفستان أزرق داكن..  عاري الظهر، ضيقٌ عند الخصر و يصل إلي أسفل الفخذ بنفس الضيق و يتسع بذلك. لا مفر من إنكار أنها أعجبتني…

ذهبت إلي المشرب، تناولت قدح من الجن مع التونيك، و فجأة لمحت صورتها في مرآة أمامي، تسير نحوي، حاولت الحفاظ علي شرودي كأني لم أرها، وصلت خلفي مباشرة ثم همهمت وقالت بتردد:

  • هل تنتظر أحدهم؟

ألتفت لها بهدوء متعمّد و لفظت كلمة واحدة:

  • جودو..

عقدة حاجبيها و أرفقت بسمة خفيفة و هي تقول:

  • عفواً، مَن؟ جودو؟

ضحكت ضحكة تشبه الهمهمة ثم مددت يدي لأقبّل يدها و قُلت:

  • أنا سُعدت بوجودك جداً، و بخصوص المدعو (جودو) فهو لن يأتي أبداً و خيب ظنون الجميع.. تفضلي و شاركيني الشراب.. هل أنت وحيدة؟ أعتقد ذلك.. سؤال في غير محله، لماذا قد تأتي سيدة بارعة الجمال مثلك لمشاركة رجل تعيس مثلي هذه الليلة إلا إذا كانت أشد تعاسة، عفواً سيدتي.. أنا لا أتهمك بالتطفل.. فقط أتنبأ.. أقدم لكي نفسي سيدتي.. أنا (هنري)..

رفعت أحد حاجبيها، ترمقني في عدم فهم و ربما اعجاب، أرفقت بسمة خفيفة، ثم شاركتني الشراب، بادرت أنا بجذب أطراف الحديث:

  • علي ما أظن أنك صحفية، صحيح؟
  • أوه، لماذا؟
  • رأيت بعض الرجال يقدمون كروتهم الخاصة لك، معظمهم متقدمين بالسن.. يزيدون عنك بعشرين سنة علي الأقل، كما لاحظت أنك تبادري الحديث إليهم، قد نسمي ذلك استغلال أنيق للحفلات…. هذا الشراب يدفعني إلي أن أكون أكثر وقاحة.. يجب أن أتوقف عن الشرب أو تتوقفين أنت عن كونك جميلة للغاية..

قهقهت بصوتٍ عالي، كأن مزحتي اعجبتها، و شاركتها الضحك، و مازالت ترمقني بتلك النظرة التي تعني أنك غريب الأطوار لكني تعجبني، ثم قالت:

  • يبدو أنك كنت مهتم لمتابعتي من بعيد.. عكس ما أظهرت من عدم اكتراث وقتما أتيت لأجتر الحديث منذ قليل..

ابتسمت في بخجل و ردفت:

  • من الصعب تبرير ذلك الآن..
  • ماذا تعمل يا هنري؟
  • هذا يعتمد علي معني كلمة “عمل” ، فلنفترض أنك تسألين عن وظيفتي.. الوظيفة هو أمر إجباري نقوم به فنقتضي راتب مقابله.. لسداد حوائجنا اليومية، لكن ماذا لو لم يكفي الراتب لسداد تلك الحوائج؟ هل تعتبر تلك وظيفة؟، علي العموم أنا مصور و وظيفتي عاطل..
  • مُشوّق.. لكنك لم تسألني عن اسمي حتي الآن؟

عندها تغيرت الموسيقي و خفتت الأضواء، و صارت تُعزف موسيقي التانجو، فركت شعري و قلت دعيني أفكر:

  • ” نرقص أولاُ ثم نفكر لاحقاً.. هذا ترتيب طبيعي للأشياء.. “

جذبت ذراعي، و أخذنا مكان وسط المُراقصين، و رقصنا.

بعدما أنتهي العرض الموسيقي، أقفلت أضواء القاعة كلها، و ظهرت بؤرة ضوء بيضاء عن المسرح، صعد رجلٌ أشيب ذو لحية مشذبة و بدلة سوداء ذات ياقة حريرية ،يمسك بميكروفون يتدلى من السقف، ثم تكلم بصوت عذب:

  • و الآن سيداتي و سادتي مع العرض المسرحي الفردي: ” عندما هويت..”، و أتمني لكم أمسية رائعة.

فتحت الستائر، كانت الأضواء خافتة جداً، سمعت صوت صافرة كالتي يصدرها الجهاز الذي يعرض سلوك قلب المرض، تكررت عدة مرات، أنارت بؤرة ضوء زرقاء، تحتها سرير و يستلقي فوقه مريض.. يقف الطبيب ممسكاً في يده الصاعق الكهربائي، فيضعه علي صدر المريض فينتفض جسده.. و أنطفئت بؤرة الضوء.

أنارت بؤرة بيضاء من جديد، يقف تحتها المريض و قال الآتي:

في ذاك اليوم المشمس كنت بلا ظل و لم يكن لصوتي صدي، كانت تمر بين ضلوعي الريح، و لأجمل قصيدة قرأتها لا معني، عندما هويت لم أرتطم بالواقع.. ظللت محلقاً بلا مقاومة.

أعرف أنه ‏لا يوجد شيء قد يُسعد في الحياة الا رؤية الفقيد أهله و أصحابه يبكون علي وفاته.. ليتني أستطيع الهرولة إليكم و احتضانكم، ليتني عرفت أن المرة الأخيرة هي المرة الأخيرة، و الآن لا أستطيع رد شيء، سابحٌ أنا في ذاك الفضاء المتناهي و أقلب بين صفحات الكون، كل شيء أصبح هيناً الآن كم نحن سُذّج، كل ملك حَاربَ و غزي الكثير من الأراضي و أغتنم الغنائم و تباهي بعدد السبايا، كل عالم قضي بين أبحاثه ليالي و نمي عنده الغرور، كل حزب سياسي ثار لأجل مصلحته و مزايدته في الوطنية، و كل شاب فقد عقله بسبب فُراق حبيبته، و كل من سعي خلف سراب يسمي الحياةِ.. كل ذلك سيهون و يبدو ضئيلاً جداً، ستشعروا بالعار و الخزي.

كنت ‏أعيش في ظلال شجرة جُردت من أوراقها، فكل يوم عند شروق الشمس يقذف ذلك الهيكل الخشبي الكآبةُ في نفسي، و كل نزهة ليلية سيراً علي الأقدام تتحول إلي درس فلسفي وجودي مزعج، كلنا في طريق الحياة نتساقط أشلاء.. فأتساقط أنا علي جانب الطريق محاولاً عناق أطلال كل عاشق و مُنتظر. لقد صرت خاوي تماماً، لقد أفنيت نفسي من خلال فرط الإحساس بمرارات الناس.. “إن الإفراط في إدراك الأشياء و الشعور بها مرض.. مرضٌ كامل.”، حتي فكرت ‏ذات يوم التوجه نحو البحر و البقاء بهِ لساعات.. أردت الذوبان و التلاشي، أردت التحوّل إلي سائل بشري يُجرف مع الماء ثم أتبخر لأمطركم بآلامي، لكن يبدو أن الأوان قد ولّ..

ظللت محلقاً أعلي تلك الغرفة الباردة، ارقب انتفاضات جسدي عقب توالي صدمات الكهرباء دون فائدة، عندما هويت لم أسقط بل إرتقيت و صعدت إلي أعلي.

أُغلقت الأستار و انتهي العرض، في هذه الليلة الثقيلة علي صدري، لم يمكن بحوذتي عشرون جنيهاً، و لم أرجع إلي الستينات، تأملت المارة و نفثت دخان سجائري فقط. في هذه الأمسية الكئيبة علي صدري.. لم يحدث شيء.

________________________________________

في إنتظار جودو: مسرحية للكاتب صامويل بيكيت، و هي تدور حول شخصية تدعي جودو، يتنظره صديقين طوال المسرحية، فتمر ايام ولا يأتي

الرسومات المرفقة هي للرسام: Joseph Lorruso

علي هامش فارغ الرصاص 

وقال: القنابل التي لا تصيبك هي بالحتم تصيب الآخرين، مادمت تستطيع سماع صوت الانفجارات فأنت بالكاد حي.. صلي لأن لا تسمع تلك الأصوات طويلاً.

‏لحسن حظ جسدي ملئته الندوب و مازال علي قيد الحياة، و سترتي تحمل عدة نياشين، أما أنا.. فإني بقيت بالميدان بين قذائف الهاون والصراخ و الفظائع، أعيش بروح ممزقة.

‏إن السلام مرحلة تأتي عندما يتعب كل الأطراف من قتل بعضهم البعض .. لذلك نسمع كثيراً عن حروباً إنتهت بوقف إطلاق النار .. دون نصر لأي طرف منهم. 

و أتذكر.. كنا ‏بين أطلال الحرب و الخراب، حلقت الشمس فوقنا و أخترقت أشعتها الغيوم، كان ذلك بعد أن نفذت الذخيرة و انتهي كل شيء، كأنها تقول: أنا السلام أيها الأغبياء.

قد لا يهتم البعض بمُعاناة ضحايا الحرب و الشَتَات بقدر ما يهتم بحجب مشاهد هؤلاء الضحايا عن أطفاله.. حتي لا تؤثر علي نفسيتهم.

و بجهة أخري من العالم، يبكي الأطفال عندما تسألهم عن وجبة العشاء، يبكون عندما تسألهم عن اخوتهم، لم يعد للمتنزة متعةً خاصة، و قبل النوم ليلاً لا تأخذهم الأحلام إلي ملابس عيد جديدة أو دمي القطنية، سوف يخبرون الله بكل شيء.

الطفل القطني

كنت زوجة و أم، و قبل ذلك كنت فتاة أكملت تعليمها المدرسي و بعدها التحقت بمدرسة لتعليم الخياطة و لكني لم أكمل المسيرة.. تزوجت في السن الذي من المفترض أن تتزوج فيه الفتيات، لم أحظي بقصة حب غرامية مع زوجي، المراسم.. و يمكن أن تسميتها الإجراءات تقليدية للغاية. زوجي كان ضابطاً برتبة ملازم.. فيغيب كثيراً عن المنزل لإثبات جدارته بالمهنة، أحببته لكفاحه و نزهاته التي كنت أستشفها عندما يشاركني تفاصيل بعض القضايا، أعطيت لنفسي أسباب و دوافع كثير لحبه.. خشية أن أقول أني أحببته لأنه لا يوجد لي خياراً أخر.

أنجبت طفلي الأول، ولا داعي لشرح ماذا يعني الطفل الأول للأبوين.. كان أسمه (آثر)، لا أتذكر الكثير عنه، فلم أرافقه طويلاً، آثر تاه.. أو قتل .. آثر فقد .. ذهب عني بطريقة غير انه مات ميتةً طبيعية.

خطي خطوته الأولي منذ شهرين، كنت أستمتع بأن أمسك يده و نسير سوياً بالشارع، و في فترة ما أصابه أعياء شديد، أخذته إلي احد العيادات التي تقدم تشخيصاً مجاني، لم يكن بحوزتي مال كافي لآخذه لمستشفى خاص، و كان تأخر زوجي في ميعاد أجازته.. إجتاز العشرين يوماً دون إجازة، كانت العيادة مكتظة بالأمهات و أنين الأطفال، كانت آثر متعباً جداً، لم يكن يقوي علي الوقوف طول هذه الفترة، فتارة أحمله و تارة نجلس علي الأرض و أرخي رأسه فوق كتفي. كانت تجلس أمامي سيدة بعمري تقريباً.. تنظر لي في شفقة، بين ذراعيها رضيعها في لفافة لبنية اللون، تلاقت عيننا عدة مرات، بعدها بقليل قدمت لي مقعدها، و لأني متعبة قبلت بمنتهي اللهفة، جلست و أبني بجانبي، ثم تبادلنا أطراف الحديث التقليدي الذي يكون بين فتيات حديثة الأمومة، سألتني أن أحمل عنها رضيعها، وافقت بالطبع، نزلت علي ركبتيها و بدأت مداعبة آثر، فتخرج منه البسمة مرهقة، تمرر أصابعها بشعره، و تبدي أعجابها الشديد به، أحسست بالغيرة، لكن لا بأس، عرضت عليه أن تشتري له بعض الحلوى، فرفع يده و هتف مرحباً للغاية، تدخلت علي الفور و قلت: لا.. لا داعي لذلك، أنت مريض ربما تزيد الحلوى حالتك تدهوراً، ردت تلك السيدة و قالت في عتابٍ ساخر: بربك لا تكوني أماً صارمة.. لا تقلقي.. لن نتأخر.. احتفظي ب( ياسين) حتي نعود.

كان أبنها بين يدي، فبعث ذلك بصدري بعض الطمأنينة، و عند الباب لوح آثر لي ببسمته المتعبة و عيناه المنكسرتان، و لوحت أنا له.

مرت دقائق، و ربع الساعة، أنظر إلي الساعة كالشخص الذي فقد صوابه، لم يعد أحداً، نظرت إلي الطفل الذي بيدي، كان لا يزال نائماً، بشرته شاحبه و شديد المرض.. لم أعد اتحمل الانتظار أكثر، جريت إلي الشارع و أنا احمل الجسد الصغير، سألت صاحب المتجر بجانب المشفى عن سيدة و معها طفل صغير، قال انه رآهم خرجوا من باب العمارة و لم يتابعهم بعد ذلك.. بدأت أرتجف.. لا يمكن أن يكون قد حدث ما أخشاه، لقد تركت لي أبنها الرضيع، هرولت صعوداً للعيادة و سألت الممرض عن أم الطفل.. سألني عن أسمه.. كل الأسماء سقطت من ذاكرتي.. بدأت أبكي و أفقد قدرتي عن التعبير.. فينظر لي الممرض بغرابة ولا يفهم، قال: هدأي من روعك.. يا سيدتي، أليس هذا أبنك؟، قلت: لا.. لا هذا ليس أبني.. أبني معها، قال: ما أسم الطفل؟، بالصدفة: استرجعت ذاكرتي .. ياسين.. نعم، ياسين، أرجوك جده بالكشف الأسماء. راجع الكشف عدة مرات، و رد بصوت يائس و هو يحملق بوجهي: لا يوجد..
تجمع الناس حولي.. وأيادي تمتد إلي كتفي، وانا أنظر للطفل النائم، أفلته، فهوي بقوة فوق المكتب.. لكنه لم يستيقظ، تدخلت أحد الأمهات.. خافت أن أؤذي الطفل بسبب حالتي، تمتمت وهي تأخذ بيدي: لا تخافي .. ارتاحي هنا. تناولت الطفل من فوق المكتب، و اختفت خلف جمع الصغير حولي، الدموع تنساب، ولا أري شيء سوي صورته و هو يمر من الباب و يلوح بيده، اندلعت فوضي بأرجاء العيادة، الناس بحالة ذعر، تضيق أحضانهم حول أبنائهم، خرج الطبيب من غرفته، بدأت أشعر بأعراض هبوط و الارتخاء، تحيطني عدة وجوه تتفوه بكلمات لا أفهمها، نظرت الي الباب، و يخيل لي أني لمحت آخر طية في رداءه، فأبتسم.

دوي صُراخٌ هستيري، و جسد يرتطم بالأرض، توجهت حيث الصراخ، كان الرضيع نائماً كعادته و اللفافة مفتوحة، كان الجسد خاوياً، كان قطنياً، أحشاء منتزعة، أخرج الطبيب قطعة من القطن من أحشاءه، و لم أشعر الا بجسدي يهوي.

عندما استيقظت أول مرة لم أبكِ، كنت أظنه حلماً، كنت علي فراشي بالبيت حينها، و زوجي يجلس عن يسار السرير علي الأرض تحت من النافذة، يدس رأسه بين كفيّه، ولا يتحرك، شعرت بألم بظهر يدي كانت تمتد منها أسلاك شفافة.. محاليل، عندها غلبني الإرهاق و غفوت مرة أخري.

وقتما أفقت للمرة الثانية، بكيت في توها حتي كادت الروح تنصرف عن جسدي، أتي زوجي و احتضنني، فغصت بين ضلوعه، أشد ملابسه، لم يتمالك نفسه هو الآخر حتي شاركني و زاد عني قليلاً. لم نتحدث عن الأمر مطلقاً، كلانا لا يصدق، و كلانا يهرب من عيون الآخر، حتي أننا صرنا لا نتحدث بتاتاً، أتعرف هذه الحالة؟.. عندما تتبعثر أجزاء روحك؟.. عندما تشعر أنك لن تكون علي ما يرام مرة أخري؟.. لم نستطع أن نمضي قُدماً و انفصلنا.

البصر – الفصل الرابع

 

كاثلي علي يساري تبكي، أسمع نحيبها الخافت، كنت في بداية اليقظة بعد نومٍ طويل، الغرفة دافئة نسبياً، لا أعرف كم الساعة.. فمنذ الحادث لم اترك الفراش ولا تفقدت الوقت، أسمع خرير المطر و صدي عبث الحياة في الخارج. في اللحظة الأولي التي أفقت فيها تغير كل شيء، تغيرت الوجهة و الأحلام و الأسباب، تبدلت الرغبة.. من شيء أحيا لأجله إلي شيء أموت من أجله. جال بذهني كل ما رأيت قبل الحادث، كأني بصرته بعينٍ ثانية، تحدثت إلي الرجل الذي تركنا عند البرميل، عانقته و كانت تفوح منه رائحة الكحول الثقيلة، و بعدما هجرت المطعم خرجت كاثلي خلفي و جرت تحت المطر ثم قبلتني بشغف، رجعت إلي أيام بيت أبي و بابه الأخضر.. الأصحاب و الأهل.. الأطفال الأيتام الذين احببتهم كأخوتي بعد أن فقدت عائلتي بين القصف و الاعتقال، تذكرت النرجس الذي كان يزهر بحديقة بيتنا، و تذكرت زهرة النرجس التي قطفتها من الغابات أثناء الهجرة غير الشرعية، جال كل ذلك و أكثر.. لكني لا أتذكر.
أفقت من أثار المخدر بعد أربعة ايام من الحادث، سألتني الممرضة عن أحد أعرفه قلت لها كاثلي.. و مكان عملها، لم يعثروا علي هاتفي النقال.. ربما سقط بالحادث، و لم يكن بحافظتي سوي بطاقة الائتمان و الهوية. اليوم هو اليوم الثاني الذي ترافقني فيه كاثلي، عندما أتت لتراني بعد الحادث، تشبثت بطرف ردائي و بكت، ربما شعرت بالذنب، ربما قالت ما قالت في المطعم لكنها كانت سترجع علي أية حال، لا أحملها أي ذنب.. هذا هو القدر، دائماً يفجأنا بأكثر احتمال نتجاهله، احساسي تجاه كاثلي كان مجرد صداقة،  أنما الآن هو احتياج و عوز، و أعتقد أن هذا قد يفوق الحب، ف‏الحب هو للأشخاص الذين ينتظرون طلوع الشمس، ليس للذين عرفوا عن الليل و ما يملأه من دموع و وحشة، ليس للذين قرروا الاستغناء منذ أمدٍ بعيد.

في يومها عندما رأتني غمغمت بكلمتين فقط:

– لا أصدق.. آسفة.

كف المطر، و هدأت كاثلي، توقفت عن البكاء، وقع قدميها علي الأرض و جلست علي حافة السرير بالقرب مني، وضعت يدها علي جبيني و بدأت تمسح بلطف، فتحت عيني لكن لا شيء تغير.. الأصوات قد تبدو أوضح لكن الضوء مات و عرف طريق زوال.

النهاية.

البصر – الفصل الثالث 

سألتها:

– ماذا يعني أن تعصف بكِ الدنيا؟

قالت بمنتهي تلقائية:

– أعتقد عندما يكون الجو عاصفٌ، و به رياح قوية.. فتطاير تنورتي.. أشعر بالخجل حينها..

لم أجد رد يناسب الموقف، أنا ألوح من خلف الزجاج مستغيثاً و هي تلوح بمرح الأطفال.. موقف طريف عندما تسمعه، كاثلي طفلة رقيقة دون أن تشعر.. مازال جزء بداخلها ينطوي علي طفولة مختذلة، علي الأرجح نشأت في دار للأيتام أو بين أبوين علاقتهم ممزقة و ذلك مؤسف.

كاثلي طفلة رقيقة دون أن تشعر.. لكن الدنيا عصفت بها حقاً. كم هي جميلة.

كنت في طريقي إليها حيث تعمل، و هذه المرة كنت مبصر بلا نظارة سوداء ولا عصا أهش بيها علي عثرات الطريق، عندما دخلت أستقبلني نادل ببسمة لطيفة و أخذ المعطف عني، وضعت نقود في جيب سترته الأمامي و همست بأذنه:

– أرسل كاثلي لتأخذ طلبي.

هز رأسه مطيعاً في التو.

جلست علي الطاولة و أما إلا ثوانٍ حتي رأيت كاثلي تأتي من بعيد تراجع دفتر الطلبات بيدها، لم تلاحظني حتي أقتربت ببعض الأقدام، تسمرت، و برزت بعض الملامح الغاضبة، قمت و أقتربت منها و قلت:

– لأول مرة تصادفني مرأة تكره المفاجأت..

رفعت حاجبيها و ردت بمنتهي السخرية:

– أحقاً؟.. أنت حقير و مخادع..

تركتها تكمل و قد أحتدت نبرتها:

– علي ماذا كنت تنوي؟ لا أتخيل أني وثقت بك طول الشهر الماضي.. كم أنا ساذجة، أنت مثير للشفقة.. و الآن لماذا أتيت؟

– لم تخطئي عندما دعوتي نفسك ساذجة..

أثارت جملتي إستفزازها :

– لا تفكر في ذلك مطلقاً، لن أرجع معك أبداً.. ماذا تريد أن تتناول؟، هيا، المدير قد لاحظنا.. لا داعي أن أخسر عملي بسببك.. ما هو طلبك؟

– سؤال ساذج آخر.. أنت تعرفين ماذا أتناول..

رجعت إلي طاولتي و جلست.. كانت لا تزال تقف حيث تركتها، ثم حركت شفتاي بكلمة قهوة و أدرت وجهي نحو النافذة.

بالفعل تناولت قهوتي و ذهبت، لكن لم أرجع مباشرة إلي المنزل، درت في حي يسكنه المشردين و يعوم فوق البغاء و المخدرات.. الناس كلهم ينظرون إلي بعض كأن وجوههم تتحادث، رأيت مجموعة تلتف حول نار مشتعلة ببرميل، ذهبت و شاركتهم ألسنة اللهب.. كان أحدهم يحكي عن ابنه.. ابنه الأكبر يلكمه أمام زوجته و باقي إخوته، لأن الرجل مدمن للخمر، الكل يسمع و ينصت لكن بلا تعليق أو تفاعُل، كان يظهر علي وجه الرجل أثار ضرب طفيفة، و بعد أن انتهي غادر المجموعة، فضاقت الدائرة حول البرميل. و إكتفيت أنا بتلك القصة و عدت أدراجي.
‏المنكسرون يروون قصصهم للغرباء علي الأرصفة و المقاهي دون داعي، ثم يغادرون دون سماع الرد، كأنها محاولةً بائسةً لإثبات الوجود في معركة البقاء. لم أشارك أحدهم أحزاني و تعاستي منذ دهر.. لأن البعض قد ينظر لك بسذاجة لأنه مر بما هو أسوء، و بعضٌ آخر يحاول التقليل من حجم الشعور، و بعض قد يظهر التعاطف و الشفقة.. مما يعني أنه في كل الحالات سوف أندم علي الكلام.

نحن لسنا الأسوء حالاً، ‏نحن لسنا بائسين لِما واجهناه بحياتنا فقط، نحن بائسين أكثر لآلام الغريبين عنا، و لعذابات من لا صوت لهم.. و للذين هم ضحايا الحظ يسير بالحياةِ.

شرع المطر في الهطول، العالم يهرول نحو منجي من البلل، و آخرون يكثرون من الدعاء من خلف النوافذ المغلقة، تنشط حركة السيارات و تقذف الإطارات المياة علي جوانب الطريق، يجب أن أعبر للجهة المقابلة، أسرعت في خطواتي، حتي صرت اجري قاطعاً الطريق وسط أبواق السيارات، تفاديت أحد سيارات الأجرة كانت علي وشك أن تدهسني، وقفت علي الرصيف الذي يقسم الطريق و إلتفت إلي السيارة، يا إلهي.. كانت ستقتلني، تعلقت عيني بلوحة الأرقام المعدنية، تصورت الحادث، رأسي يصدم بالزجاج و يطير جسدي فوق سقف السيارة و أهوي ببعض العظام متكسرة أو ميتاً. إستغرفت في متابعة أرقام السيارة و هي تبتعد، و لم أنتبه إلي الطريق العبور….

البصر – الفصل الثاني 

في كل يوم تُبدي كاثلي دهشتها، و تعجب من النظام الذي وضعته لمحتويات المنزل، طريقة معرفة ألوان ملابسي، أعرف ترتيب الكتب فوق الرف و الكثير من الأشياء الأخرى. تحدثنا في أشياء كثيرة.. عبرت عنها شغفها البالغ بالأفلام و التراجيدي، كانت مهتمة فيما مضي بالأدب و أحبت البحث عن رسائل انتحار لمشاهير و أناسٍ عاديين قالت بالنص: “أجد بها جمال خفي.. باعث للحياة!” ، حقيقةً لا أعرف من أين أتت بهذا الرأي.

كنت أجلس قرب المدفئة عند ميعاد عودتها من العمل، بين يدي كتاب للمكفوفين، دخلت كاثلي محدثةً بعض الضجة.. ترن غوائشها مصحوبة بقعقعة الحذاء علي الأرض ثم تُسقط حقيبتها و تهوي بجسدها فوق الكرسي المقابل، تقول بصوت متعب:

– كيف حالك اليوم؟

– مستقر.

– ماذا تقرأ؟

– أعترض علي كلمة تقرأ.. القراءة تكون باستخدام الأعيُن، انما أنا أستخدم اصابعي.

– ألم تسمع عن قراءة الأفكار و المستقبل؟

– ألتقيت بعرافة تعرف الطالع قبل الحادث، قالت أنها تتنبأ بالمستقبل اعتمادا علي قراءة الكف، أظنها أخطئت في كل شيء ما عدا أن مستقبلي المظلم أعتمد علي كفي و علي اللمس.. حرفياً.

– هل تعلمني كيف تلمس الأشياء؟

تحركت تجاهي و اعطتني يدها، فتحت الكتاب و طلبت منها أن تغمض، حركت أصابعها فوق الورق المثقوب و همست في أذنها بإسماء الحروف حتي أنقضت الليلة بأسرها.
في الصباح التالي، قالت دون أي مقدمات:

– أتمني لو أنك تراني مرة واحدة، دائماً رأسك مستقيم و شارد و تتأمل صورة الفراغ أو كما تصف “الصورة الذهنية التي بنيتها”..

عندها خلعت نظارتي السوداء و نظرت مباشرة إلي عينيها..

فقالت بنبرة مرتعشة:

– خاطر، لا تنظر.. عيناك البيضاء تجعلني أخاف..

وضعت يدي علي عيني و أزلت العدسات اللاصقة البيضاء، شهقت و ارتعدت، رجعت إلي الوراء، تهدج صوتها، انهمرت دموع فزعة في التو، لم تقوي علي الكلام أو التعبير، فلطمتني بقوة و فرت هاربة.

لم أري كاثلي لمدة أسبوع، أنا لست أعمي، لم أخدعها، هي فقط لا تفهم.

البشر لا يعرفون كيف الحزن ولا كيف الكآبة، يعرفون طرقٌ شتي للنسيان، يهرعون من وحدتهم إذا ضاقت بهم الأرض و حشرتهم في الممر الأخير، فنبحث عن ملاذ و نترك الجروح تتعفن، نهرب من الألآم بلا مواجهة، ثم نحاول منها أن نَتَداري. ليتنا نعرف أن السعادة كالحزن.. كلاهما إحساس إنساني من حقنا أن ننغمس فيهم بكل الحواس، نحن نتألم و ننكسر دون أن وعي لكلمة ألم، لا ندرك الألم كما ندرك معني السعادة.. الجانب البائس دائم مظلوم في نفس الإنسان.

حاولت أن أعيش كأعمي لأفهم المعاناة، فهمت أن اللون الأسود الذي يرافق الضرير هو ليس لون مثلما نري الألوان نحن المبصرون.. نحن نميز بين الأزرق و الرمادي.. و نعرف الأسود.. البعض قد يراه يناسب الحداد و البعض يراه لون شاعري، لكن كل الألوان بالنسبة لفاقد البصر سواء، عندها يكون اللون المرافق له دائماً ليس الأسود، أنما هو لون الحياة و الفراغ و الوجود و الانعدام.. كل شيء.

حاولت أن أشعر بقلب الأشياء عن طريق اللمس و الرائحة، أهمل المظاهر الخارجية.. أشعر بالنبضات و الرعشات.. فتلك الأشياء لا تكذب أبداً، وجدتني أتوصل إلي معني أكبر كلما أبحرت أسفل المعاناة الإنسانية، كلما أفرط في الشعور بالأشياء، وجدت أن كل شيء يقودنا نحو تعاسة مثالية، و وجدت أن الألم يُصرَف بموت الإحساس أو بموت الإنسان.

‏ذاكرة جندي فُقدت في ميدان المعركة، ف‏إذا كنت تنعم بحياة سعيدة.. فرجاءاً، لا تدخل هذا المدونة.