صدمة

نظرت في إتجاهي ..
حركت رأسها و أعينيها نحوي..
حملقت قليلاً .. و ابتسمت..
جائني إحساس بأنني المقصود بهذه الإبتسامة..
رددت الأبتسامة بمثلها..
و في أعيُنها قرأت وعود كثيرة..
وعد بأني اذا تحدث معها لن ترفض..
وعد بأننا سنصبح أصدقاء مقربين..
وعد بأنها ستحبني إذا أحببتها..
وعد بأن تحافظ علي طوال حياتها ولا تبتعد أبداً..
و وعد بأن تكون مثال للحبيبة و الزوجة..
أحببت عينها الزرقاء، بدأت أؤمن بالحب من أول نظرة..
لا تتحرك كأنها كانت تبحث عني طوال حياتها..
و كلما إزدادت افكاري هرولت ليها ملبياَ..
أبعَدَت عينيها عني قليلاً حياءً منها.. لكن إبتسامتها علي سباق عهدها..
شعرت للحظة أنني لم أكن الشخص المنتظر ..و ربما أُشبهه فقط..
تراجعت قليلاً ..
لكن فضولي أجبرني علي التأكد..
أقتربت منها و نظرت بعيداً كأنها لا تعرفني.. تحدثت إليها..
أرتجفت و كأن شبح ظهر لها في الظلام..
فوجئت من تصرفها.. و بالحقيقة أيضاً..
شعرت بالغباء..
و قلت ما الذي قد تخفيه هذه الأعيُن ثابتة..
و الرأس المحنط ..
و تلك الابتسامة مصطنعة..

فقد

كانت

عمياء!

عندما هويت

في ذاك اليوم المشمس كنت بلا ظل و لم يكن لصوتي صدي، كانت تمر بين ضلوعي الريح، و لأجمل قصيدة قرأتها لا معني، عندما هويت لم أرتطم بالواقع.. ظللت محلقاً بلا مقاومة.

أعرف أنه ‏لا يوجد شيء قد يُسعد في الحياة الا رؤية الفقيد أهله و أصحابه يبكون علي وفاته.. ليتني أستطيع الهرولة إليكم و إحتضانكم، ليتني عرفت أن المرة الأخيرة هي المرة الأخيرة، و الآن لا أستطيع رد شيء، سابحٌ أنا في ذاك الفضاء المتناهي و أقلب بين صفحات الكون، كل شيء أصبح هيناً الآن كم نحن سُذّج، كل ملك حَاربَ و غزي الكثير من الأراضي و أغتنم الغنائم و تباهي بعدد السبايا، كل عالم قضي بين أبحاثه ليالي و نمي عنده الغرور، كل حزب سياسي ثار لأجل مصلحته و مزايدته في الوطنية، و كل شاب فقد عقله بسبب فُراق حبيبته، و كل من سعي خلف سراب يسمي الحياةِ.. كل ذلك سيهون و يبدو ضئيلاً جداً، ستشعروا بالعار و الخزي.

كنت ‏أعيش في ظلال شجرة جُردت من أوراقها، فكل يوم عند شروق الشمس يقذف ذلك الهيكل الخشبي الكآبةُ في نفسي، و كل نزهة ليلية سيراً علي الأقدام تتحول إلي درس مزعج في الفلسفة الوجودية فأتساقط أشلاءً علي جانب الطريق محاولاً عناق أطلال كل عاشق و مُنتظر. لقد صرت خاوي تماماً، لقد أفنيت نفسي من خلال فرط الإحساس بمرارات الناس.. “إن الإفراط في إدراك الأشياء و الشعور بها مرض.. مرضٌ كامل.”، كنت أريد ‏ذات يوم التوجه نحو البحر و البقاء بهِ لساعات.. أردت الذوبان و التلاشي، أردت التحوّل إلي سائل بشري يُجرف مع الماء ثم أتبخر لأمطركم بآلامي، لكن يبدو أن الأوان قد ولّ..

ظللت محلقاً أعلي تلك الغرفة الباردة، ارقب أنتفاضات جسدي عقب توالي صدمات الكهرباء دون فائدة، عندما هويت لم أسقط بل إرتقيت و صعدت إلي أعلي.

تحذير: أفكار متطرفة

يومٌ ما سأكون شخصاً آخر، بمخيلتي نماذج لعدة أشخاص أبغضهم و أكرههم.. سأصبح من ضمن تلك النماذج.
نعم، الحياةِ تفعل أكثر من ذلك.

‏سأخبر أولادي عن فجاجة الحياةِ و قسوة العالم و هم بسنٍ مبكرة، لن يفهموني.. سيكرهوني..
سأكون أباً فاشلاً، إن صرت أباً.

‏قبول كل سيئ، و إحتضان كل ضعف، التصالح الزائد مع نفسك و التسامح المفرط في أبسط حقوقك.. هو نوعاً آخر من الإنكسار.

‏تفقد الحياة معناها، فنجد كل ما هو له معني بالنسبة للناس هو مجرد مضيعة لوقت، لنمضي و نري بعد ذلك أن تلك الحياة مضيعة للوقت.

‏الأشياء التي أردناها بشدة.. عندما أدركناها صرنا فارغين من كل شغف و رغبة، الإرهاق و الألم الذي قابلناه قتلنا بالكامل من الداخل.

و الآن ‏صرنا أقوياء للغاية.. إنكسرنا بما يكفي.. لم يعد هناك شيء لينكسر.. لم يعد هناك شيء لنخاف علي فقدانه.. لم يعد هناك ما نخشاه..

‏لن أُطيل في شرح أفكاري الخاصة و نظرتي للحياة، سأدعك تكتشف بمفردك حتي تعرف يوماً ما مدي سذاجتك..

الرجل السيء 

​الجو مناسب للتجول بباحة المنزل الواسعة، كنا ما نزال في مقتبل الشتاء .. الصباحية كانت باردة قليلاً و عند الظهيرة نشرت الشمس أشعتها في المكان كانتشار الإنفلونزا الاسبانية في بداية القرن العشرين.. أرقب من نافذتي ذات الستائر البيضاء النظيفة للغاية المشهد في الخارج من البكيرة مع الإستماع إلي الموسيقي خاصتي، أري مرأة مسنّة تقوم فتاة رقيقة بمساعدتها في المشي و التنزه، يجلس بعض الرجال العجائز الظرفاء يضحكون طيلة النهار أثناء تناول الشاي و قراءة الصحف، الأشجار تزين المكان و الخضار يمتص عن كاهلك هموم الحياة.. كل شيء يبدو جميل في المنزل، كل شيء منمق بما يكفي، كل الأسرّة نظيفة و أرضيات المنزل تبرق كالكريستال، الممرات هادئة قاحلة، جميعها يلمع حتي البرود و الكآبة مثل البلاستيك لا حياة بها.. هكذا هي فكرتهم عن الجمال و المثالية.. أنا فقط أتمني أن تتحقق يوتوبيا في الواقع حتي يعرفوا أن الجمال يكمنُ في عين النقصان، الجو العام يوحي لك أنك بمصحة نفسية.. وهو حقاً كذلك، ولا أخجل البوح بهذا الإعتراف.
لم أقرأ كتباً في هذا الصباح بل إكتفيت بإرتشاف القهوة عدة مرات بلا توقف، و لم أكتب أيضاً، ولا حتي أشعلت أنوار غرفتي.. فقط قضيت الوقت خلف الستائر أرقبُ الباحة.

طرقت أحدي الفتيات الباب لم يضايقني الأمر نهائياً هكذا أعتدت، ولا صنفتها إقتحاماً لوحدتي و شرودي.. قلت لها أن تدخل بالطبع.. سألتي بإبتسامة هادئة عن رأيي في الفطور.. أشرت لها أنه كان رائعاً جداً، و أنصرفت حاملة معها بقايا الطعام و الصحون الفارغة.

بعد  قليل إتصل بي صديقي الدكتور إدريس علي هاتفي النقال حتي أشاركه المجلس أثناء راحته عن العمل، كنا نتشارك حديثاً شيق كل مرة في السياسة و الفن و نضحك كثيراً. .لقد أعترف لي أني من أجمل الناس الذين قابلهم، و أنا أُكن له إحتراماً بليغاً.

وضعت نظارتي الغامقة و إرتديت ملابس التنزّه، رأيته علي مرمي البصر في الباحة يرتدي حلته الأنيقة كالعادة و يقف مع أحد الصحفيات و يتبادل معها الحديث، شعرت أن بينهم علاقة قديمة أو نوعاً من الصداقة.. لا بأس ربما قد حكي لها عني الكثير و هي تريد أن تكتب أحد المقالات.. لا بأس، سأكون لطيفاً معها.. لا داعي لإحباط تلك الشابة الصغيرة في بداية حياتها.

عندما وصلت رحب بي الدكتور إدريس  و احتضنني، سلمت علي الصحفية و قبلت يدها كما يفعل الرجال النبلاء فأرفقت هي إبتسامة خجولة و أحمرت وجنتها قليلاً.. 

قال لي الدكتور إدريس هذه (نادية) صديقتي، و هي تريد فقط أن تتحدث معك لبعض الوقت و سوف تسألك بعض الاسئلة، رددت بترحيب بمالغ و قُلت: 

اذا كانت هي صديقتك فهي بالفعل صديقتي، لا تقلق يا دكتور إدريس.. انا في الخدمة..

ألقي الدكتور إدريس التحية و غادرنا، تبعته هي بعينها ثم نظرت بعينها البنية اللامعة:

مرحباً يا خالد..

أهلاً بكِ، نادية، أرجو ألا تزعجك نظارتي الغامقة..

لا لا بأس.. كيف حالك؟

بخير.

أحم، هل تستمع إقامتك هنا؟

في بعض الأحيان أشعر بالملل عندما أفرغ من الكتب، فأنتظر حتي قدوم الشهر المقبل لأحصل علي كتب جديدة، لكن توجد أشياء تخفف ذلك الملل حيث انك لستي أول من يأتي إلي هنا ليجري معي الحديث، دائماً من يرغب برؤيتي، يا نادية نحمد الله علي كل حال..

أوه، جميل.. أخبرني عن حياتك؟

سكت طويلاً، السؤال معقد للغاية.. فلم أستطع تجميع بعض الجمل المفيدة.. عبرت فقط بإشارة إيجابية برأسي. 

قالت:

هل لي ببعض التفاصيل؟ أن لم يكن يضايقك ؟ لا أريدك أن تعتبر ذلك تطفلاً.. 

نظرت لها بإمعان و قلت:

اسألي عن التفاصيل..

هل لديك أولاد ؟

لا، لا أظنني سأبلغ السن الذي سأنجب فيه أولاد، سأكون أباً فاشلاً.. سأخبر أولادي عن فجاجة الحياةِ و قسوة العالم و هم بسنٍ مبكرة، لن يفهموني.. سيكرهوني.. سأكون أباً فاشلاً، إن صرت أباً.. لا ذنب لهم أن يأتون لهذا الكون الميلئ بالأكاذيب.

تغيرت ملامحها و بسطت حاجبيها.. شعرت بالأسي تجاهي، حاولت الإحتفاظ بنبرة صوتها و هي تقول:

حسناً.. هل لي أن أعرف كم عمرك؟

٣٦٩ كتاباً.. خمسة ساعات من الموسيقي أسمعها يومياً علي هاتفي.. كوب قهوة لا ينفذ.. و مذكرات لم أضع لها نقطة النهاية بعد.. قرحة بالمعدة و الكثير من الندوب تحت قميصي.. و زهرة كنت أسقيها فقتدها في خريف الوطن.. نعم، الكثير من الأحلام الضائعة.. بغرفتي حائطٌ تملئه الكثير من الأفكار التي تضر بالصحة العقلية.. أعتقد أننا سنكون ظالمين لأنفسنا إذا عددنا العمر في رقمين يجاوران بعضهما.

أطرقت نادية، و عضت شفتها السفلي قليلاً، عقدت أصابعها، غاب صوتها، أقدر ذلك.. تحول الحوار الصحفي إلي لحن شجي.. همهمت وقالت:

هل لديك أصدقاء؟

نعم، الدكتور إدريس هو صديقي المخلص.. 

بدي عليها بعض علامات اليأس من الحصول علي عمل صحفي ناجح، سألتني: 

أخبرني عن أمنياتك؟

اليائسون لا يملكون أمنياتٍ ولا أحلام.. هم بالفعل يكرهوها، فالأماني هي سبب كل ألم و معاناه.

ذمت علي شفتيها في نفاذ صبر، فركت شعرها الأسود الناعم و تفكر في سؤال قد يقتلع مني أي معلومة مفيدة:

أوه، نعم.. قُلت لي أن لديك ندوب.. هل  شاركت في حرب ما؟

لا لم أشارك.. 

فما سبب الندوب؟

أنا.. أنا من قمت بها.. حاولت قتل نفسي عدة مرات.. عندما تفقد الحياة معناها، نجد كل ما هو له معني بالنسبة للناس هو مجرد مضيعة لوقت، لنمضي و نري بعد ذلك أن تلك الحياة مضيعة للوقت، شعرت بالإكتئاب الشديد و هو أكبر دافع علي ذلك .. فالإكتئاب هو خنجر طُعن في ظهر الإنسانية، يفقدنا المشاعر و الحياة، لن تستطيع أن تحب أو تفرح، لن تخاف الموت، سيكون الإنتحار النهاية علي أي حال. 

….

لم تعلق علي كلامي ظلت صامتة.. فاستطردت:

سمعت رجلاً قبل ذلك يتحدث عن الموت معظم الوقت، يتغزل فيه أحياناً، و ربما يشبهه بالملاذ الوحيد .. لأنه كان يعرف الكثير عن الحياة..

أنا شأني كشأن (إيفان ديميتريتش) الطبيب النفسي الذي مات داخل عنبر المرضي النفسيين.. بحث عن التعقل في العالم فعاقبته الحياة علي ذلك.. من يدفع الثمن دائماً من يبحث عن معني و قيمة، يحمل علي كاهله آلامه و آلام غيره. مثلاَ.. المفكرين و الفلاسفة لما تجدي حياتهم ممزقة؟، بائسين و شاحبين؟..لأنهم بلغوا معني لن يُقرأ في كتاب و لن يُري بلوحة فنيّأ.. معني و حقيقة مفجعة لا يقدر عقل علي إحتوائها فيكون الإنتحار هو السبيل بالطبع.
أنا مريضاً بما يكفي لأصبح ضعيفاً، و ضعيفاً بما يكفي لأنكر مرضي.. حكمت علي نفسي بالحياة داخل تلك الأسوار.. لأني لا أُحسن الفجاجة و السخرية، لا أُحسن أن أكون جَحيماً.. كالآخرين. تسألين عن الذي أودي بي إلي هذا الطريق، بالطبع تسألين.. ما الصدمة التي جعلت هذه الأفكار تسكن دماغي.. و الحقيقة أني لا أتذكر.

بدأت دموعها تنهمر فسكت طويلاً، لم تستطع امتلاك أعصابها هذه المرة، بدأت النشيج بشدة و أندلت دموعها بغزارة.. فأقبل حينها الدكتور إدريس.. وقفت فزعاً خفت أن يظن أني قد آذيتها، هتفت بسرعة:

صدقني يا دكتور لم أقصد أن أبكي صديقتك الصحفية.. هي فقط تأثرت بقصتي..

أطرق الدكتور و ذم علي شفتيه، سكت، ولم أفهم ماذا حدث، نظرت إلي نادية و حاولت تهدأتها ببعض العبارات و أعتذرت لها لكنها كانت تزداد في البكاء، قلت للدكتور في أسي شديد:

صدقني يا إدريس لم أقصد، بالله عليك لم أقصد.. 

رد و هو يتفادى النظر تجاهي:

– هي ليست صحفية.. و ليست صديقتي.. بل هي بنتك.

إخترقت كلماته الأخيرة دماغي، تساقط علي الكرسي حيث كنت أجلس، يدور بي شعور عارم بعدم الإستعياب.. نظرت في تجاه نادية كانت قد جففت دموعها قليلاً.. قلت بصوت مختنق:

ماذا تقول؟

هذه إبنتك منذ أحد عشرون عاماً.. أنت الآن عمرك تسعٌ و أربعون.. لا تذكر شيئاً منذ أن غادرت المنزل قاصداً السفر للعمل بالخارج.. طوال فترة إقامتك هنا أنت تحاول إقناع نفسك بتلك الحياة و أنك تفضلها هكذا. عثرت بنتك عليك بالصدفة، نادية في الواقع مدرّسة إبنتي الصغيرة ولأنها لطيفة للغاية كنا نتبادل الحديث أحياناً.. حكيت لها عنك، فأنت حالة فريدة من نوعها.. لم أقابلها قبل ذلك.. و عندما أخبرتها عن أسمك إنهارت و طلبت مني رؤيتك.. الأمر يكاد يكون مستحيل علي العقل أن يُصدق، لكن هذه أبنتك نادية.

أقتربت مني نادية و قبلت جبيني ثم أحتضنتني.. لم أشعر تجاهها بأي شيء.. و لم أسترجع ذاكرتي كما يحدث بأفلام الدراما ولا حتي عرفت ما هي الحلقة المفقودة من حياتي.. ظللت ذلك الإطار الهش من الداخل.. الذي يبكي لأتفه الأسباب و يري الجمال بعيونٍ بيضاء لطفلة شاهدت إنفجار قنبلة ذرية و ألمس الحنان عندما تكتم الأم أنفاس طفلها حتي الموت فلا يسمع صوت بكاءه العدو.

“أنا الرجل السيء..

 كان علي أن أموت صغيراً..

قبل أن أعرف الأشجار الإرهابية و مافيا السلام..”

تَغيرت الصورة تماماً

عندما​ كنتُ صغيراً في عمر الأربع أو الخمس سنوات.. أذكر وقت متابعتي لقنوات الكارتون.. أثناء تلقي أحد البرامج إتصالاً هاتفياً من أطفال من دول عربية أخري.. كنت أحسد هؤلاء الأطفال علي ما حظوا من فرصة كبيرة .. تمنيت لو أني أستطيع أن أشارك مثلهم.. حاولت كثيراً الإتصال بالرقم الذي يظهر أسفل الشاشة و يرد صوتٌ يقول: أنكم غير مشتركين في هذه الخاصية..

كنت القي السماعة محبطاً و يملأني الحزن.. تمنيت لو تسألني المذيعة ما أسمك و عمري؟ ما هو فيلم الكارتون المفضل؟ ماذا تريد أنت تصبح عندما تكبر؟ و بعدها بقليل تقول لي أن أخفض صوت التلفاز و أن أستمع لها من السماعة..

وأنا الآن في عمر العشرين أتابع صور من هم يمروا بنفس المرحلة العمرية من أطفال في سوريا و فلسطين و غيرها تحت أنقاص بيوتهم مقتولين و مشردين.. تغيرت الصورة تماماً.. يوم أمس كنت أريد أن أكون محظوظاً مثلهم و اليوم أسارع إليهم داعياً لجفاف شلالات الدماء تلك.. لا أريد أن تنقطع أصواتهم عبر سماعة الهاتف.

حُطام

‏تُفتح النافذة .. تتناثر الأوراق في الغرفة .. تنسكب القهوة .. تصبغ قطرات الحبر قميصي .. ثم تغادر الرياح بهدوء و رويّة مخلّفة بعض الأشياء المحُطمة.

‏تتحطم النافذة.. تتناثر ذرات الزجاج في الغرفة .. يدوّي الصراخ .. تصبغ دماء القتلي تحت الانقاض ملابسي.. ثم تغادر الغارة دون ترك أي شيء ليتحطم.

‏يخترق صوتهم النافذة.. تتناثر لافتاتهم الأحتجاجية علي الأرض.. تُقدم الإسعاف.. يصبغ الأجواء لون الغاز المُسيل.. ثم أهوي قتيلاً قبل عدّ الحطام.

منشور تحريضي

– ​‏أهلاً بكم في يوم تعيس جديد..
أرجو منكم تكميم أفواهكم و أفواه أبنائكم، شغلوا التلفاز و إستمعوا لعهر الإعلام الوطني.. هكذا تغتصب عقول الشعوب.

-‏لا يهتم البعض بمُعاناة ضحايا الحرب و الشَتَات بقدر ما يهتم بحجب مشاهد هؤلاء الضحايا عن أطفاله.. حتي لا تؤثر علي نفسيتهم!

– ‏سيسألكم الخالق عن تخليكم عن حقوقكم، سيحاكمكم للجبن و الإذعان. التفريط في الحقوق ليس تسامحاً و لن تثاب علي ذلك.

-‏ الشعارات الوطنية هي فقط لتسلية البطون الفارغة و عقول البسطاء.

– ‏برأسي أفكار عن العدل، عن المقاومة و رفض الإستبداد، و عن الإنسانية.. أكتبها، و أُلقي عليها نظرة أخيرة قبل أن أودّعها، إلي اللقاء، يا حُرية..

‏ذاكرة جندي فُقدت في ميدان المعركة، ف‏إذا كنت تنعم بحياة سعيدة.. فرجاءاً، لا تدخل هذا المدونة.