علي هامش فارغ الرصاص 

وقال: القنابل التي لا تصيبك هي بالحتم تصيب الآخرين، مادمت تستطيع سماع صوت الانفجارات فأنت بالكاد حي.. صلي لأن لا تسمع تلك الأصوات طويلاً.

‏لحسن حظ جسدي ملئته الندوب و مازال علي قيد الحياة، و سترتي تحمل عدة نياشين، أما أنا.. فإني بقيت بالميدان بين قذائف الهاون والصراخ و الفظائع، أعيش بروح ممزقة.

‏إن السلام مرحلة تأتي عندما يتعب كل الأطراف من قتل بعضهم البعض .. لذلك نسمع كثيراً عن حروباً إنتهت بوقف إطلاق النار .. دون نصر لأي طرف منهم. 

و أتذكر.. كنا ‏بين أطلال الحرب و الخراب، حلقت الشمس فوقنا و أخترقت أشعتها الغيوم، بعد أن نفذت الذخيرة و انتهي كل شيء، كأنها تقول: أنا السلام أيها الأغبياء.

قد لا يهتم البعض بمُعاناة ضحايا الحرب و الشَتَات بقدر ما يهتم بحجب مشاهد هؤلاء الضحايا عن أطفاله.. حتي لا تؤثر علي نفسيتهم.

و بجهة أخري من العالم، يبكي الأطفال عندما تسألهم عن وجبة العشاء، يبكون عندما تسألهم عن اخوتهم، لم يعد للمتنزة متعةً خاصة، و قبل النوم ليلاً لا تأخذهم الأحلام إلي ملابس عيد جديدة أو دمي القطنية، سيخبرون الله بكل شيء.

الطفل القطني

كنت زوجة و أم، و قبل ذلك كنت فتاة أكملت تعليمها المدرسي و بعدها التحقت بمدرسة لتعليم الخياطة و لكني لم أكمل المسيرة.. تزوجت في السن الذي من المفترض أن تتزوج فيه الفتيات، لم أحظي بقصة حب غرامية مع زوجي، المراسم.. و يمكن أن تسميتها الإجراءات تقليدية للغاية. زوجي كان ضابطاً برتبة ملازم.. فيغيب كثيراً عن المنزل لإثبات جدارته بالمهنة، أحببته لكفاحه و نزهاته التي كنت أستشفها عندما يشاركني تفاصيل بعض القضايا، أعطيت لنفسي أسباب و دوافع كثير لحبه.. خشية أن أقول أني أحببته لأنه لا يوجد لي خياراً أخر.

أنجبت طفلي الأول، ولا داعي لشرح ماذا يعني الطفل الأول للأبوين.. كان أسمه (آثر)، لا أتذكر الكثير عنه، فلم أرافقه طويلاً، آثر تاه.. أو قتل .. آثر فقد .. ذهب عني بطريقة غير انه مات.

خطي خطوته الأولي منذ شهر، كنت أستمتع بأن أمسك يده و نسير سوياً بالشارع، و في فترة ما أصابه أعياء شديد، أخذته إلي احد العيادات التي تقدم تشخيصاً مجاني، لم يكن بحوزتي مال كافي لآخذه لمستشفى خاص، العيادة مكتظة بالأمهات و أنين الأطفال، كانت آثر متعباً جداً، لم يكن يقوي علي الوقوف طول هذه الفترة، فتارة أحمله و تارة نجلس علي الأرض و أرخي رأسه فوق كتفي، كانت تجلس أمامي سيدة بعمري تقريباً.. تنظر لي في شفقة، بين ذراعيها رضيعها في لفافة لبنية اللون، تلاقت عيننا عدة مرات، بعدها بقليل قدمت لي مقعدها، و لأني متعبة قبلت بمنتهي اللهفة، جلست و أبني بجانبي، ثم تبادلنا أطراف الحديث التقليدي الذي يكون بين فتيات حديثة الأمومة، سألتني أن أحمل عنها رضيعها، وافقت بالطبع، نزلت علي ركبتيها و بدأت مداعبة آثر، تخرج منه البسمة مرهقة، تمرر أصابعها بشعره، و تبدي أعجابها الشديد به، أحسست بالغيرة، لكن لا بأس، عرضت عليه أن تشتري له بعض الحلوي، فرفع يده مرحباً للغاية، تدخلت علي الفور و قلت: لا.. لا داعي لذلك، أنت مريض ربما تزيد الحلوي حالتك تدهوراً، ردت تلك السيدة و قالت في عتابٍ ساخر: بربك لا تكوني أماً صارمة.. لا تقلقي.. لن نتأخر.. أحتفظي ب( ياسين) حتي نعود.

كان أبنها بين يدي، فبعث ذلك بصدري بعض الطمأنينة، و عند الباب لوح آثر لي ببسمته المتعبة و عيناه المنكسرتان، و لوحت أنا له.

مرت دقائق، و ربع الساعة، أنظر إلي الساعة كالشخص الذي فقد صوابه، لم يعد أحداً، نظرت إلي الطفل الذي بيدي، كان لا يزال نائماً، بشرته شاحبه و شديد المرض.. لم أعد اتحمل الانتظار أكثر، جريت إلي الشارع و أنا احمل الجسد الصغير، سألت عامل المتجر بجانب المشفي عن سيدة و معها طفل صغير، قال انه رآهم خرجوا من باب العمارة و لم يتابعهم بعد ذلك.. بدأت أرتجف.. لا يمكن أن يكون قد حدث ما أخشاه، لقد تركت لي أبنها الرضيع، هرولت صعوداً للعيادة و سألت الممرض عن أم الطفل.. سألني عن أسمه.. كل الأسماء سقطت من ذاكرتي.. بدأت أبكي و أفقد قدرتي عن التعبير.. فينظر لي الممرض بغرابة ولا يفهم، قال: هدأي من روعك.. يا سيدتي، أليس هذا أبنك؟، قلت: لا.. لا هذا ليس أبني.. أبني معاها، قال: ما أسم الطفل؟، بالصدفة: استرجعت ذاكرتي .. ياسين.. نعم، ياسين، أرجوك جده بالكشف الأسماء. راجع الكشف عدة مرات، و رد بصوت يائس و هو يحملق بوجهي: لا يوجد، تجمع الناس حولي.. وأيادي تمتد إلي كتفي، وانا أنظر للطفل النائم، أفلته، فهوي بقوة فوق المكتب.. لكنه لم يستيقظ، تدخلت أحد الأمهات.. خافت أن أؤذي الطفل بسبب حالتي، تمتمت وهي تأخذ بيدي: لا تخافي .. ارتاحي هنا. تناولت الطفل من فوق المكتب، و اختفت خلف جمع الصغير حولي، الدموع تنساب، ولا أري شيء سوي صورته و هو يمر من الباب و يلوح بيده، اندلعت فوضي بأجراء العيادة، الناس بحالة ذعر، تضيق الأحضان حول أبنائهم، خرج الطبيب من الغرفة، بدأت أشعر بأعراض هبوط و الارتخاء، حولي عدة وجوه تتفوه بكلمات لا أفهمها، نظرت الي الباب، و يخيل لي أني لمحت آخر طية في رداءه، و يقطع كل هذا صراخ هستيري، و جسد يسقط علي الأرض، توجهت حيث الصراخ، كان الرضيع نائماً كعادته و اللفافة مفتوحة، كان الجسد خاوياً، كان قطنياً، أحشاء منتزعة، .. هيكل مجوّف، أخرج الطبيب قطعة من القطن من أحشاءه، و لم أشعر الا بجسدي يهوي علي الأرض.

البصر – الفصل الرابع

 

كاثلي علي يساري تبكي، أسمع نحيبها الخافت، كنت في بداية اليقظة بعد نومٍ طويل، الغرفة دافئة نسبياً، لا أعرف كم الساعة.. فمنذ الحادث لم اترك الفراش ولا تفقدت الوقت، أسمع خرير المطر و صدي عبث الحياة في الخارج. في اللحظة الأولي التي أفقت فيها تغير كل شيء، تغيرت الوجهة و الأحلام و الأسباب، تبدلت الرغبة.. من شيء أحيا لأجله إلي شيء أموت من أجله. جال بذهني كل ما رأيت قبل الحادث، كأني بصرته بعينٍ ثانية، تحدثت إلي الرجل الذي تركنا عند البرميل، عانقته و كانت تفوح منه رائحة الكحول الثقيلة، و بعدما هجرت المطعم خرجت كاثلي خلفي و جرت تحت المطر ثم قبلتني بشغف، رجعت إلي أيام بيت أبي و بابه الأخضر.. الأصحاب و الأهل.. الأطفال الأيتام الذين احببتهم كأخوتي بعد أن فقدت عائلتي بين القصف و الاعتقال، تذكرت النرجس الذي كان يزهر بحديقة بيتنا، و تذكرت زهرة النرجس التي قطفتها من الغابات أثناء الهجرة غير الشرعية، جال كل ذلك و أكثر.. لكني لا أتذكر.
أفقت من أثار المخدر بعد أربعة ايام من الحادث، سألتني الممرضة عن أحد أعرفه قلت لها كاثلي.. و مكان عملها، لم يعثروا علي هاتفي النقال.. ربما سقط بالحادث، و لم يكن بحافظتي سوي بطاقة الائتمان و الهوية. اليوم هو اليوم الثاني الذي ترافقني فيه كاثلي، عندما أتت لتراني بعد الحادث، تشبثت بطرف ردائي و بكت، ربما شعرت بالذنب، ربما قالت ما قالت في المطعم لكنها كانت سترجع علي أية حال، لا أحملها أي ذنب.. هذا هو القدر، دائماً يفجأنا بأكثر احتمال نتجاهله، احساسي تجاه كاثلي كان مجرد صداقة،  أنما الآن هو احتياج و عوز، و أعتقد أن هذا قد يفوق الحب، ف‏الحب هو للأشخاص الذين ينتظرون طلوع الشمس، ليس للذين عرفوا عن الليل و ما يملأه من دموع و وحشة، ليس للذين قرروا الاستغناء منذ أمدٍ بعيد.

في يومها عندما رأتني غمغمت بكلمتين فقط:

– لا أصدق.. آسفة.

كف المطر، و هدأت كاثلي، توقفت عن البكاء، وقع قدميها علي الأرض و جلست علي حافة السرير بالقرب مني، وضعت يدها علي جبيني و بدأت تمسح بلطف، فتحت عيني لكن لا شيء تغير.. الأصوات قد تبدو أوضح لكن الضوء مات و عرف طريق زوال.

النهاية.

البصر – الفصل الثالث 

سألتها:

– ماذا يعني أن تعصف بكِ الدنيا؟

قالت بمنتهي تلقائية:

– أعتقد عندما يكون الجو عاصفٌ، و به رياح قوية.. فتطاير تنورتي.. أشعر بالخجل حينها..

لم أجد رد يناسب الموقف، أنا ألوح من خلف الزجاج مستغيثاً و هي تلوح بمرح الأطفال.. موقف طريف عندما تسمعه، كاثلي طفلة رقيقة دون أن تشعر.. مازال جزء بداخلها ينطوي علي طفولة مختذلة، علي الأرجح نشأت في دار للأيتام أو بين أبوين علاقتهم ممزقة و ذلك مؤسف.

كاثلي طفلة رقيقة دون أن تشعر.. لكن الدنيا عصفت بها حقاً. كم هي جميلة.

كنت في طريقي إليها حيث تعمل، و هذه المرة كنت مبصر بلا نظارة سوداء ولا عصا أهش بيها علي عثرات الطريق، عندما دخلت أستقبلني نادل ببسمة لطيفة و أخذ المعطف عني، وضعت نقود في جيب سترته الأمامي و همست بأذنه:

– أرسل كاثلي لتأخذ طلبي.

هز رأسه مطيعاً في التو.

جلست علي الطاولة و أما إلا ثوانٍ حتي رأيت كاثلي تأتي من بعيد تراجع دفتر الطلبات بيدها، لم تلاحظني حتي أقتربت ببعض الأقدام، تسمرت، و برزت بعض الملامح الغاضبة، قمت و أقتربت منها و قلت:

– لأول مرة تصادفني مرأة تكره المفاجأت..

رفعت حاجبيها و ردت بمنتهي السخرية:

– أحقاً؟.. أنت حقير و مخادع..

تركتها تكمل و قد أحتدت نبرتها:

– علي ماذا كنت تنوي؟ لا أتخيل أني وثقت بك طول الشهر الماضي.. كم أنا ساذجة، أنت مثير للشفقة.. و الآن لماذا أتيت؟

– لم تخطئي عندما دعوتي نفسك ساذجة..

أثارت جملتي إستفزازها :

– لا تفكر في ذلك مطلقاً، لن أرجع معك أبداً.. ماذا تريد أن تتناول؟، هيا، المدير قد لاحظنا.. لا داعي أن أخسر عملي بسببك.. ما هو طلبك؟

– سؤال ساذج آخر.. أنت تعرفين ماذا أتناول..

رجعت إلي طاولتي و جلست.. كانت لا تزال تقف حيث تركتها، ثم حركت شفتاي بكلمة قهوة و أدرت وجهي نحو النافذة.

بالفعل تناولت قهوتي و ذهبت، لكن لم أرجع مباشرة إلي المنزل، درت في حي يسكنه المشردين و يعوم فوق البغاء و المخدرات.. الناس كلهم ينظرون إلي بعض كأن وجوههم تتحادث، رأيت مجموعة تلتف حول نار مشتعلة ببرميل، ذهبت و شاركتهم ألسنة اللهب.. كان أحدهم يحكي عن ابنه.. ابنه الأكبر يلكمه أمام زوجته و باقي إخوته، لأن الرجل مدمن للخمر، الكل يسمع و ينصت لكن بلا تعليق أو تفاعُل، كان يظهر علي وجه الرجل أثار ضرب طفيفة، و بعد أن انتهي غادر المجموعة، فضاقت الدائرة حول البرميل. و إكتفيت أنا بتلك القصة و عدت أدراجي.
‏المنكسرون يروون قصصهم للغرباء علي الأرصفة و المقاهي دون داعي، ثم يغادرون دون سماع الرد، كأنها محاولةً بائسةً لإثبات الوجود في معركة البقاء. لم أشارك أحدهم أحزاني و تعاستي منذ دهر.. لأن البعض قد ينظر لك بسذاجة لأنه مر بما هو أسوء، و بعضٌ آخر يحاول التقليل من حجم الشعور، و بعض قد يظهر التعاطف و الشفقة.. مما يعني أنه في كل الحالات سوف أندم علي الكلام.

نحن لسنا الأسوء حالاً، ‏نحن لسنا بائسين لِما واجهناه بحياتنا فقط، نحن بائسين أكثر لآلام الغريبين عنا، و لعذابات من لا صوت لهم.. و للذين هم ضحايا الحظ يسير بالحياةِ.

شرع المطر في الهطول، العالم يهرول نحو منجي من البلل، و آخرون يكثرون من الدعاء من خلف النوافذ المغلقة، تنشط حركة السيارات و تقذف الإطارات المياة علي جوانب الطريق، يجب أن أعبر للجهة المقابلة، أسرعت في خطواتي، حتي صرت اجري قاطعاً الطريق وسط أبواق السيارات، تفاديت أحد سيارات الأجرة كانت علي وشك أن تدهسني، وقفت علي الرصيف الذي يقسم الطريق و إلتفت إلي السيارة، يا إلهي.. كانت ستقتلني، تعلقت عيني بلوحة الأرقام المعدنية، تصورت الحادث، رأسي يصدم بالزجاج و يطير جسدي فوق سقف السيارة و أهوي ببعض العظام متكسرة أو ميتاً. إستغرفت في متابعة أرقام السيارة و هي تبتعد، و لم أنتبه إلي الطريق العبور….

البصر – الفصل الثاني 

في كل يوم تُبدي كاثلي دهشتها، و تعجب من النظام الذي وضعته لمحتويات المنزل، طريقة معرفة ألوان ملابسي، أعرف ترتيب الكتب فوق الرف و الكثير من الأشياء الأخرى. تحدثنا في أشياء كثيرة.. عبرت عنها شغفها البالغ بالأفلام و التراجيدي، كانت مهتمة فيما مضي بالأدب و أحبت البحث عن رسائل انتحار لمشاهير و أناسٍ عاديين قالت بالنص: “أجد بها جمال خفي.. باعث للحياة!” ، حقيقةً لا أعرف من أين أتت بهذا الرأي.

كنت أجلس قرب المدفئة عند ميعاد عودتها من العمل، بين يدي كتاب للمكفوفين، دخلت كاثلي محدثةً بعض الضجة.. ترن غوائشها مصحوبة بقعقعة الحذاء علي الأرض ثم تُسقط حقيبتها و تهوي بجسدها فوق الكرسي المقابل، تقول بصوت متعب:

– كيف حالك اليوم؟

– مستقر.

– ماذا تقرأ؟

– أعترض علي كلمة تقرأ.. القراءة تكون باستخدام الأعيُن، انما أنا أستخدم اصابعي.

– ألم تسمع عن قراءة الأفكار و المستقبل؟

– ألتقيت بعرافة تعرف الطالع قبل الحادث، قالت أنها تتنبأ بالمستقبل اعتمادا علي قراءة الكف، أظنها أخطئت في كل شيء ما عدا أن مستقبلي المظلم أعتمد علي كفي و علي اللمس.. حرفياً.

– هل تعلمني كيف تلمس الأشياء؟

تحركت تجاهي و اعطتني يدها، فتحت الكتاب و طلبت منها أن تغمض، حركت أصابعها فوق الورق المثقوب و همست في أذنها بإسماء الحروف حتي أنقضت الليلة بأسرها.
في الصباح التالي، قالت دون أي مقدمات:

– أتمني لو أنك تراني مرة واحدة، دائماً رأسك مستقيم و شارد و تتأمل صورة الفراغ أو كما تصف “الصورة الذهنية التي بنيتها”..

عندها خلعت نظارتي السوداء و نظرت مباشرة إلي عينيها..

فقالت بنبرة مرتعشة:

– خاطر، لا تنظر.. عيناك البيضاء تجعلني أخاف..

وضعت يدي علي عيني و أزلت العدسات اللاصقة البيضاء، شهقت و ارتعدت، رجعت إلي الوراء، تهدج صوتها، انهمرت دموع فزعة في التو، لم تقوي علي الكلام أو التعبير، فلطمتني بقوة و فرت هاربة.

لم أري كاثلي لمدة أسبوع، أنا لست أعمي، لم أخدعها، هي فقط لا تفهم.

البشر لا يعرفون كيف الحزن ولا كيف الكآبة، يعرفون طرقٌ شتي للنسيان، يهرعون من وحدتهم إذا ضاقت بهم الأرض و حشرتهم في الممر الأخير، فنبحث عن ملاذ و نترك الجروح تتعفن، نهرب من الألآم بلا مواجهة، ثم نحاول منها أن نَتَداري. ليتنا نعرف أن السعادة كالحزن.. كلاهما إحساس إنساني من حقنا أن ننغمس فيهم بكل الحواس، نحن نتألم و ننكسر دون أن وعي لكلمة ألم، لا ندرك الألم كما ندرك معني السعادة.. الجانب البائس دائم مظلوم في نفس الإنسان.

حاولت أن أعيش كأعمي لأفهم المعاناة، فهمت أن اللون الأسود الذي يرافق الضرير هو ليس لون مثلما نري الألوان نحن المبصرون.. نحن نميز بين الأزرق و الرمادي.. و نعرف الأسود.. البعض قد يراه يناسب الحداد و البعض يراه لون شاعري، لكن كل الألوان بالنسبة لفاقد البصر سواء، عندها يكون اللون المرافق له دائماً ليس الأسود، أنما هو لون الحياة و الفراغ و الوجود و الانعدام.. كل شيء.

حاولت أن أشعر بقلب الأشياء عن طريق اللمس و الرائحة، أهمل المظاهر الخارجية.. أشعر بالنبضات و الرعشات.. فتلك الأشياء لا تكذب أبداً، وجدتني أتوصل إلي معني أكبر كلما أبحرت أسفل المعاناة الإنسانية، كلما أفرط في الشعور بالأشياء، وجدت أن كل شيء يقودنا نحو تعاسة مثالية، و وجدت أن الألم يُصرَف بموت الإحساس أو بموت الإنسان.

البصر – الفصل الأول 

شيء لا يحدث كل يوم.. تنام بغرفتي فتاة فاتنة بينما أنا في الخارج علي الأريكة.. تعرفت عليها منذ ساعتين، شيء لا يحدث علي مدار الحياة.. حاولت إغرائي عدة مرات لكني تجاهلتها.

بدأت مناورتها الأولي ببعض اللمسات علي وجهي مع همسٍ دافئ و ريح من فمها قرب فمي، قُلت لها:

– أنتِ جميلة.. و يرغبك الكثيرين لا شك في ذلك، لكن دعينا نقيم بعض حديث حتي نغرق نياماً، أنتِ جميلة وأنا أقدر الجمال.. كما أني أحترمه للغاية و أحترمك كإنسانٍ أيضاً..

– تثيرني حتي وأنت تتحدث هكذا..

كانت تلك مناورتها الثانية و يبدو أني سأعلن الإذعان. تنظر بعينها الزرقاء نحو وجهي الشارد بكل شغف، و تتسع حدقة العين، آخر شيء قامت به حركت أصابعها فوق شفتاي و رسمت بسمة ظهرت منها أسنانها ثم أبعدت و مشت نحو الغرفة و قالت:

– أحلام سعيدة..

– أنا أعمي لا أحلم، ربما أسمع أصوات يبنيها عقلي و صور ذهنية حصيلة ما ألمسه و أسمعه.. الأحلام بالنسبة لك مختلفة عني تماماً.

كانت تقف أمام الباب تسمع ما أقول، لم تنظر خلفها، أنما أطرقت عقب سكوتي ثم التفت نصف لفتة قائلةً :

– نم جيداً.. أرجوك.

في الصباح التالي أثناء تناولي الفطور علي الطاولة التي تواجه النافذة، كان الجو مشمساً، شعرت بالأشعة علي وجهي، خرجت (كاثلي) من الغرفة و جلست أمامي، قالت و هي تتثاءب:

– الليلة الماضية لم تكن شاقة كما تخيلت..

ضحكت و ردفت:

– صباح الخير يا عزيزتي.. هل وجدتي شيء يناسبك لترتديه؟

لم ترد، توقفت عن الأكل، شهقت و قلت في دعابة:

– لا أنت عارية الآن.. هذا ليس عدلاً، أهذا لأني أعمي؟

ضحكت كاثلي بصوتٍ عالي و ردت:

– لا تقلق، أنا أمرح معك، وجدت روب معلق خلف الباب ارتديته.

سكتت برهة و قالت بفضول واضح:

– ما سبب حالتك تلك؟

كنت قد انتهيت من الطعام أزحت الصحن جانباً ثم أجبت:

– تقصدين العمي أم أني أقاوم الاقتراب منك؟

– العمي..

– حادث معملي..

– كيف؟

– الإهمال.. كنت أجري تفاعل لبعض العناصر الحساسة و لم ارتدي النظارة الواقية للعين، حدث انفجار و أنت عرفين الباقي..

– أنت غريب.. جداً، ما الرابط بين أن تكون كيميائياً و مولعاً بالفن، الحوائط كلها مغطاه برسومات لريني مارجوت و سيلفادور دالي و غيرهم؟

– لأن الفن هو طريق النجاة أحياناً و مسكّن آلام في أحيان أخري.. ‏

لم ترد و ظلت محملقة، فعطفت بسرعة:

– أسف علي تلك العبارات المعقدة في البكيرة، معظم الناس لا يحبون سماعها، لذلك معظم الناس لا يحبون رفقتي..

– أعتقد أنك وجدت رفقيك أخيراً..

أقامت كاثلي في منزلي عدة أيام، في كل ليلة كانت تراوغ لكن النتيجة واحدة حتي توقفت. كاثلي تبلغ من العمر سبعة و عشرون عاماً، لم تكمل تعليمها الجامعي، تعمل نادلة بمطعم أنيق حيث التقينا، كاثلي ليست عاهرة.. لكنها ضعيفة و تحب مرافقة الرجال الأثرياء، كاثلي ليست عاهرة.. لكنها وجدت أن هذا الطريق يخفف آلامها. تذهب إلي العمل عند العصر و ترجع عند المنتصف الليل.

أذكر أنها في ليل تأخرت.. و أتت عند الصباح، كنت أتناول فنجال القهوة و أضع لاصقات النيكوتين علي ذراعي، عندما دَخلت لم أسألها عن شيء، القت نفسها علي كرسي الأريكة بمحاذتي و قالت:

– كنت في عمل إضافي..

لم أرد، و انتظرت بضع ثواني و أضافة:

– خاطر؟ ، أنت تتجاهلني؟

لم أرد أيضاً، و ارتشفت من فنجال القهوة. فهبت واقفة و اتجهت نحو الغرفة.

أذكر أن تلك الحادثة لم تتكرر.

 

عندما هويت

في ذاك اليوم المشمس كنت بلا ظل و لم يكن لصوتي صدي، كانت تمر بين ضلوعي الريح، و لأجمل قصيدة قرأتها لا معني، عندما هويت لم أرتطم بالواقع.. ظللت محلقاً بلا مقاومة.

أعرف أنه ‏لا يوجد شيء قد يُسعد في الحياة الا رؤية الفقيد أهله و أصحابه يبكون علي وفاته.. ليتني أستطيع الهرولة إليكم و إحتضانكم، ليتني عرفت أن المرة الأخيرة هي المرة الأخيرة، و الآن لا أستطيع رد شيء، سابحٌ أنا في ذاك الفضاء المتناهي و أقلب بين صفحات الكون، كل شيء أصبح هيناً الآن كم نحن سُذّج، كل ملك حَاربَ و غزي الكثير من الأراضي و أغتنم الغنائم و تباهي بعدد السبايا، كل عالم قضي بين أبحاثه ليالي و نمي عنده الغرور، كل حزب سياسي ثار لأجل مصلحته و مزايدته في الوطنية، و كل شاب فقد عقله بسبب فُراق حبيبته، و كل من سعي خلف سراب يسمي الحياةِ.. كل ذلك سيهون و يبدو ضئيلاً جداً، ستشعروا بالعار و الخزي.

كنت ‏أعيش في ظلال شجرة جُردت من أوراقها، فكل يوم عند شروق الشمس يقذف ذلك الهيكل الخشبي الكآبةُ في نفسي، و كل نزهة ليلية سيراً علي الأقدام تتحول إلي درس مزعج في الفلسفة الوجودية فأتساقط أشلاءً علي جانب الطريق محاولاً عناق أطلال كل عاشق و مُنتظر. لقد صرت خاوي تماماً، لقد أفنيت نفسي من خلال فرط الإحساس بمرارات الناس.. “إن الإفراط في إدراك الأشياء و الشعور بها مرض.. مرضٌ كامل.”، كنت أريد ‏ذات يوم التوجه نحو البحر و البقاء بهِ لساعات.. أردت الذوبان و التلاشي، أردت التحوّل إلي سائل بشري يُجرف مع الماء ثم أتبخر لأمطركم بآلامي، لكن يبدو أن الأوان قد ولّ..

ظللت محلقاً أعلي تلك الغرفة الباردة، ارقب أنتفاضات جسدي عقب توالي صدمات الكهرباء دون فائدة، عندما هويت لم أسقط بل إرتقيت و صعدت إلي أعلي.

‏ذاكرة جندي فُقدت في ميدان المعركة، ف‏إذا كنت تنعم بحياة سعيدة.. فرجاءاً، لا تدخل هذا المدونة.